عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
519
اللباب في علوم الكتاب
مخالفة للسّواد والتّدبير والتّدبّر عبارة عن النّظر في عواقب الأمور وأدبارها ، ودبر الشّيء آخره ، ومنه قوله : إلام تدبّروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي : لو عرفت في صدري ما عرفت [ من ] « 1 » عاقبته ، لامتنعت . فصل : وجه النظم في الآية ووجه النظم أنه - تعالى - [ لمّا ] « 2 » حكى أنواع مكر « 3 » المنافقين وكيدهم ؛ لأجل عدم اعتقادهم صحّة دعوى النّبي صلى اللّه عليه وسلّم للرّسالة ، فلا جرم أمرهم [ اللّه ] « 4 » تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدّلائل [ الدّالّة ] « 5 » على صحّة النّبوّة ؛ فقال [ - تعالى - ] « 6 » : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ » والعلماء قالوا « 7 » : دلالة القرآن على صدق نبوّة محمّد صلى اللّه عليه وسلّم من ثلاثة أوجه : أحدها : فصاحته . وثانيها : اشتماله على الإخبار عن الغيوب . والثالث : سلامته عن الاختلاف ، وهذا هو المذكور في هذه الآية ، وذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم « 8 » : معناه أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السّرّ على أنواع كثيرة من الكيد والمكر ، واللّه - تعالى - [ كان ] « 9 » يطلع الرّسول - عليه الصلاة والسلام - على تلك الأحوال ، ويخبره عنها مفصّلة ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل بإخبار اللّه - تعالى - ، وإلا لما اطّرد الصّدق فيه ، ولظهر الاختلاف والتّفاوت في قول محمّد - [ عليه السلام ] « 10 » - ، فلمّا لم يظهر ذلك علمنا أنّ ذلك بإعلام اللّه - تعالى - . الثاني : قال أكثر المتكلّمين : إن القرآن كتاب كبير « 11 » مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير اللّه ، لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ؛ لأن الكتاب الكبير لا ينفكّ من ذلك ، ولمّا لم يوجد فيه ذلك ، علمنا : أنه ليس من عند غير اللّه ؛ قاله ابن عبّاس . فإن قيل : أليس أنّ قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23 ] كالمناقض لقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] ، وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ، وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ الحجر : 92 ] كالمناقض لقوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : ملك . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 157 . ( 8 ) ينظر : السابق . ( 9 ) سقط في أ . ( 10 ) سقط في أ . ( 11 ) في ب : منير .